الجصاص
229
أحكام القرآن
وقوله تعالى : ( ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا ) فإنه قيل فيما عاد إليه هذا الوعيد وجوه ، أحدها : أنه عائد على أكل المال بالباطل وقتل النفس بغير حق ، فيستحق الوعيد بكل واحدة من الخصلتين . وقال عطاء : " في قتل النفس المحرمة خاصة " . وقيل : إنه عائد على فعل كل ما نهي عنه من أول السورة . وقيل : من عند قوله : ( يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ) [ النساء : 19 ] ، لأن ما قبله مقرون بالوعيد ، والأظهر عوده إلى ما يليه من أكل المال بالباطل وقتل النفس المحرمة . وقيد الوعيد بقوله : ( عدوانا وظلما ) ليخرج منه فعل السهو والغلط وما كان طريقه الاجتهاد في الأحكام إلى حد التعمد والعصيان . وذكر الظلم والعدوان مع تقارب معانيهما لأنه يحسن مع اختلاف اللفظ ، كقول عدي بن زيد : وقددت الأديم لراهشيه * وألقى قولها كذبا ومينا والكذب هو المين ، وحسن العطف لاختلاف اللفظين . وكقول بشر بن حازم : فما وطئ الحصى مثل ابن سعدي * ولا لبس النعال ولا احتذاها والاحتذاء هو لبس النعل . وكما تقول : بعدا وسحقا ، ومعناهما واحد ، وحسن لاختلاف اللفظ . والله أعلم . باب النهي عن التمني قال الله تعالى : ( ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض ) . روى سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن أم سلمة قالت : قلت يا رسول الله يغزو الرجال ولا تغزو النساء ويذكر الرجال ولا تذكر النساء ؟ فأنزل الله تعالى : ( ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض ) الآية ، ونزلت : ( إن المسلمين والمسلمات ) [ الأحزاب : 35 ] . وروى قتادة عن الحسن قال : " لا يتمن أحد المال وما يدريه لعل هلاكه في ذلك المال " . وقال سعيد عن قتادة في قوله : ( ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض ) قال : كان أهل الجاهلية لا يورثون المرأة شيئا ولا الصبي ويجعلون الميراث لمن يحبون فلما ألحق للمرأة نصيبها وللصبي نصيبه وجعل للذكر مثل حظ الأنثيين ، قالت النساء : لو كان أنصباؤنا في الميراث كأنصباء الرجال ! وقال الرجال : إنا لنرجو أن نفضل على النساء في الآخرة كما فضلنا عليهن في الميراث ! فأنزل الله تعالى : ( للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن ) يقول : المرأة تجزى بحسناتها عشر أمثالها كما يجزى الرجل ، قال : ( واسألوا الله من فضله إن الله كان بكل شئ عليما ) ونهى الله عن تمني ما فضل الله به بعضنا على بعض ، لأن الله تعالى لو علم أن المصلحة له في إعطائه ما أعطى